أثار النفط الروسي مجددًا جدلًا واسعًا في الأسواق العالمية، خصوصًا مع تطبيق الرسوم الأميركية الجديدة على الهند، التي تُعد من أكبر المستوردين للطاقة الروسية في السنوات الأخيرة، وسط مؤشرات على توازنات جيوسياسية متغيرة.
وقال مستشار تحرير منصة الطاقة المتخصصة (مقرّها واشنطن)، خبير اقتصادات الطاقة الدكتور أنس الحجي، إن المشهد الراهن يعكس مزيجًا من التعقيدات التجارية والعقوبات الغربية؛ إذ تظهر مرونة ملحوظة في طرق التلاعب بالقيود المفروضة على روسيا.
وأشار إلى أن العقوبات الأخيرة على مصفاة نايارا الهندية تسبّبت في تأخير ملحوظ بحركة السفن وتخفيض تشغيل المصفاة، ما انعكس على حجم المخزونات والقدرة على استيعاب شحنات إضافية من النفط الروسي الموجهة إلى الأسواق الأوروبية.
وأوضح أن التحديات الحالية لم تمنع الصين من تكثيف وارداتها، في خطوة تعكس إستراتيجية واضحة لتخزين كميات قياسية من النفط الروسي، استعدادًا لاحتمالات مواجهة عقوبات أو توترات جديدة قد تهدّد وارداتها عبر البحر.
جاء ذلك خلال حلقة جديدة من برنامجه "أنسيّات الطاقة"، الذي يقدّمه الحجي على مساحات منصة "إكس" (تويتر سابقًا)، تحت عنوان: "مستجدات أسواق النفط والغاز: ترمب والهند، ولبنان، والغاز الصخري بالجزائر".
تأثير العقوبات في حركة التكرير والنقل
تطرّق أنس الحجي إلى تأثير العقوبات في حركة التكرير والنقل، إذ إن العقوبات المفروضة على مصفاة نايارا الهندية أدت إلى ارتباك واضح في الأسابيع الأولى؛ إذ انسحبت بعض السفن المرتبطة بالاتحاد الأوروبي وتباطأت عمليات تحميل النفط الروسي إلى أوروبا.
وأوضح أن امتلاء المخزون في المصفاة نتيجة تعطّل الشحنات أجبر الإدارة على خفض نسبة التشغيل، ما قلّل الطلب على ناقلات إضافية، وأدى إلى تباطؤ الإمدادات خلال أسبوعَيْن قبل أن تُعاد الأمور إلى طبيعتها.
وأشار أنس الحجي إلى أن هذه الحالات ليست جديدة، إذ تشهد الأسواق دائمًا ارتباكات مماثلة في الأيام الأولى من تطبيق العقوبات، وهو ما حدث مرارًا في سياق تجارة النفط الروسي مع الهند وغيرها من الشركاء.
وبيّن أن الشركات تلجأ -أحيانًا- إلى أساليب ملتفة لتجاوز العقوبات، مثل إعادة توجيه الناقلات إلى مصافٍ أخرى غير خاضعة للقيود، ثم إعادة شحنها إلى الوجهة النهائية، وهو ما يحافظ على استمرار تدفقات النفط من روسيا.
وأضاف أن هذا التلاعب يجد في كثير من الأحيان تساهلًا -أو ما سماه "التطنيش"- إذ تغض بعض الجهات الطرف عن هذه الممارسات لتجنّب اضطرابات أكبر في الإمدادات العالمية للطاقة.
مثل هذه الإجراءات المؤقتة، وفق الحجي، تقلّل من صرامة العقوبات وتجعلها أقل تأثيرًا مما هو معلن، ما يمنح النفط الروسي قدرة متجددة على الوصول إلى الأسواق بطرق بديلة.
ولفت إلى أن الوضع الحالي يشير إلى أن مرونة اللاعبين الرئيسين، سواء في الهند أو الصين، تُضعف الأثر الحقيقي للعقوبات، وتتيح لروسيا الاستمرار في تسويق إنتاجها النفطي.

مواقف ترمب والهند واحتمالات التراجع
قال أنس الحجي إن المعضلة الحالية ترتبط بقرار ترمب فرض رسوم جديدة على الهند، مع ترقب احتمال تراجعه في اللحظات الأخيرة تحت ضغط المخاوف من ارتفاع أسعار النفط الروسي وأسعار الطاقة عالميًا.
وأوضح أن ترمب قد يلجأ إلى تأجيل التنفيذ شهرًا أو أكثر، أو قد يعلن أنها خطوة مؤقتة لتخفيف وقعها على الأسواق، خصوصًا في ظل اتصالات محتملة مع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي.
وأشار أنس الحجي إلى أن أي تصعيد إضافي ضد الهند قد يفاقم المخاطر في أسواق الطاقة، ويؤدي إلى زيادة الطلب على النفط الروسي من أطراف أخرى مثل الصين، ما يعزّز دور موسكو بصفتها موردًا رئيسًا رغم العقوبات.
وبيّن أن الأسواق تتحرك وفق هذه التوقعات؛ إذ يترقّب المستثمرون ما إذا كان ترمب سيقدّم تنازلات أو يصر على موقفه، خاصة أن قراراته الأخيرة ارتبطت مباشرة بخوفه من ارتفاع أسعار النفط.
وأضاف أن القلق الأميركي من صعود الأسعار قد يشكّل الدافع الرئيس لأي تغيير، إذ يُعد استقرار تكاليف الطاقة عنصرًا حاسمًا في حسابات ترمب السياسية والاقتصادية.
وأكد الحجي أن استمرار الحديث عن احتمالات التراجع يُظهر أن قرارات الرسوم ليست مجرد أدوات اقتصادية، بل أوراق تفاوضية مرتبطة بديناميكيات أوسع تخص أسواق النفط الروسي والعلاقات الدولية.
وأكد أن أي انفتاح في المحادثات بين واشنطن ونيودلهي قد يُترجم إلى اتفاق تجاري يوازن بين مصالح الطرفَيْن، دون أن يمنع استمرار تدفقات النفط الروسي إلى الأسواق العالمية.
الصين وإستراتيجية التخزين
أوضح أنس الحجي أن الصين استغلّت تأخّر بعض الشحنات الموجهة إلى الهند لتشتري كامل الكميات المتاحة، ما أدى إلى زيادة ضخمة في وارداتها من النفط الروسي في الأشهر الأخيرة.
وأشار إلى أن هذه الزيادة لا تعكس بالضرورة نموًا اقتصاديًا، بل ترتبط بسياسة واضحة لتخزين النفط، إذ بلغ مخزون الصين مستوى قياسيًا عند 1.1 مليار برميل، متجاوزًا الولايات المتحدة بنحو 300 مليون برميل.
وبيّن خبير اقتصادات الطاقة أن الصين تتوسع في جميع مصادر الطاقة، بما في ذلك الفحم والغاز والطاقة المتجددة، في إطار مساعٍ لتقليل اعتمادها على الواردات البحرية، مع تعزيز اعتمادها على النفط الروسي والغاز القادم عبر الأنابيب.
وأضاف أن هذا التوجه يعكس إستراتيجية صينية أعمق ترتبط بالأمن القومي؛ إذ ترى بكين أن الاعتماد على الإمدادات البرية من روسيا ومنغوليا أكثر أمانًا من الاعتماد على الشحنات البحرية.
وأكد أن التحول الصيني نحو الفحم وتوسيع استعانة محطات الكهرباء به رغم الالتزامات البيئية السابقة يوضح أن الهدف ليس المناخ، بل تعزيز الأمن الطاقي وخفض الحاجة إلى واردات إضافية من خارج روسيا.
ولفت أنس الحجي إلى أن التعاون مع موسكو يتوسع ليشمل خطوط أنابيب جديدة وممرات بديلة، مثل الممر الشمالي الذي يسمح بعبور شحنات الغاز والنفط الروسي خلال فصل الصيف بتكاليف أقل بكثير.
وختم بأن الصين بهذه الإستراتيجية ترسخ موقعها بصفتها أول مستوردي النفط الروسي، وهو ما يُعيد تشكيل معادلات الطاقة العالمية، ويؤكد أن العقوبات الغربية لم تمنع روسيا من إيجاد أسواق بديلة قوية.
موضوعات متعلقة..
اقرأ أيضًا..
المصدر..