مع بداية كل صيف، تتحول شواطئ الإسكندرية من مكان للراحة والاستجمام إلى مسرح للحوادث المفجعة. ورغم أن البحر يمثل مصدر سعادة لملايين المصطافين، إلا أن غياب وسائل الأمان يحوله إلى خطر داهم، خاصة في المناطق غير المجهزة بفرق إنقاذ أو إسعاف. وتتصدر منطقة العجمي قائمة الشواطئ التي تسجل كل عام كوارث غرق متكررة، وسط مطالبات مجتمعية بضرورة وجود خطط إنقاذ متكاملة و
شاملة ، وأن يتعاون المجتمع مع الدولة لحماية الأرواح. فالبحر مكان للفرح لا للفقد، ولا يجوز أن يتحول كل صيف إلى موسم مآسٍ متكررة.
الأرقام تتكلم
تظهر الوقائع الموثقة أنّ حوادث الغرق على شواطئ الإسكندرية تتكرر كل صيف، وإن اختلفت شدتها من عام لآخر. ففي 2018 سُجل أسوأ يوم على «شاطئ النخيل» غرب المدينة حين بلغت الوفيات حتى 16 حالة في يوم واحد، ما رسخ لقب «شاطئ الموت» لذلك الامتداد شديد الخطورة من الساحل. وفي 2020 عاود الشاطئ ذاته إثارة الذعر بعد غرق 11 شخصًا في يوم واحد بحسب تغطيات صحفية محلية. وفي صيف 2025 عادت المأساة إلى الواجهة مع وفاة 6 طالبات وإصابة 24 آخرين في حادث شاطئ «أبو تلات» بالعجمي، قبل أن ترتفع الحصيلة لاحقًا إلى 7 وفيات وفق تحديثات لاحقة. هذه الأرقام، وإن كانت لحوادث بارزة، تظهر حاجة ماسّة لإتاحة إحصاءات سنوية رسمية مُجمّعة تُيسِّر التتبّع والمساءلة.
مأساة العجمي الأخيرة وصدمة الرأي العام
من جانبه قال الخبير في السلامة البحرية الدكتور محمود سلامة لـ"البوابة نيوز" : اولا اتقدم بالتعازي والموساة لاهالى الفتيات الشهيدات فى أحدث الحوادث المؤلمة التى وقعت على شاطئ العجمي هذا الصيف، واقول لأسرهم انه حينما غرقت ست فتيات في عمر الزهور خلال رحلة عائلية. الحادث هز مشاعر المصريين، وأعاد إلى الواجهة التساؤلات حول غياب الرقابة وفرق الإنقاذ، خصوصًا أن الشاطئ معروف بخطورته والتيارات المائية العنيفة فيه و الأهالي الذين شهدوا الحادث أكدوا أن تأخر الاستجابة وعدم وجود تجهيزات كافية لإنقاذ الغرقى ساهم في تضاعف المأساة.
ضرورة وجود فرق إنقاذ مدربة
وكشف قائلا : إن الكوارث المتكررة في شواطئ الإسكندرية تكشف عن قصور واضح في تجهيز الشواطئ بفرق إنقاذ مؤهلة وأوضح أن تواجد المنقذين المدربين بانتشار كافٍ على امتداد الشاطئ يمكن أن يقلل بشكل كبير من معدلات الغرق، مضيفًا أن هذه الفرق يجب أن تكون مدعومة بأدوات إنقاذ حديثة وزوارق سريعة، فضلًا عن نقاط مراقبة مرتفعة لتغطية البحر بشكل كامل.
الإسعاف السريع جزء من المنظومة
فى ذات السياق قال المتخصص في إدارة الطوارئ الدكتور أحمد الجمل لـ"البوابة نيوز" : أن وجود فرق إنقاذ فقط لا يكفي، بل لا بد من دمج منظومة الإسعاف السريع مع خطط التأمين.
وأشار إلى أن كثيرًا من حالات الغرق لا تنتهي بمجرد إخراج الغريق من الماء، وإنما تحتاج إلى تدخل طبي فوري لإنعاش القلب والتنفس.
وأضاف أن توفير سيارات إسعاف قريبة من الشواطئ المزدحمة يعد خطوة أساسية لإنقاذ الأرواح.
بين التوعية والرقابة الرسمية
وأردف ااجمل : لا يقتصر الأمر على الأجهزة الرسمية، بل إن وعي المصطافين يمثل خط الدفاع الأول. فمعظم الحوادث تحدث نتيجة تجاهل التحذيرات أو السباحة في مناطق غير مخصصة. لذلك يؤكد الخبراء على ضرورة تكثيف حملات التوعية، ووضع لوحات إرشادية واضحة باللغتين العربية والإنجليزية، بالإضافة إلى تفعيل العقوبات ضد المخالفين لضمان احترام قواعد السلامة. كما أن دور الرقابة الحكومية لا يقل أهمية، حيث يجب أن تكون هناك متابعة دائمة لمستوى تأمين الشواطئ.
البحر للجميع لكن الأمان أولًا
ويختتم أحمد الجمل: إن شواطئ الإسكندرية، وعلى رأسها العجمي، ستظل مقصدًا محببًا للمصريين صيفًا بعد صيف، لكن استمرار الحوادث المؤلمة يجعل متعة البحر مشوبة بالخوف. لا بد أن تتحرك الجهات المعنية سريعًا لوضع خطط إنقاذ شاملة، وأن يتعاون المجتمع مع الدولة لحماية الأرواح. فالبحر مكان للفرح لا للفقد، ولا يجوز أن يتحول كل صيف إلى موسم مآسٍ متكررة.