يواجه الأمن الغذائي في أفريقيا معضلة كبرى في ظل نمو ظواهر تغير المناخ، وتزايد رقعة الجفاف ونقص الموارد؛ ما يعزز أعباء الدول النامية.
وسلّطت دراسة -تابعتها منصة الطاقة المتخصصة (الصادرة من واشنطن)- الضوء على القطاع الزراعي في دول أفريقيا الواقعة جنوب الصحراء، لما تتمتع به من خصائص ملائمة لاشتراطات الرصد.
ولفت معدّو الدراسة إلى أن القارة الأفريقية تعاني النصيب الأكبر من التأثيرات المناخية في المحاصيل، لكن هناك آثار سلبية واضحة في نقاط أخرى -أيضًا- من العالم.
وسلّطوا الضوء على 4 محاصيل زراعية محددة هي (الذرة، والأرز، والقمح، وفول الصويا)، وتوقعات الحصاد المستقبلية في ظل تفاقم تقلبات الطقس.
معضلة الغذاء العالمية
افتقر 282 مليون شخص في 59 دولة إلى الأمن الغذائي خلال عام 2023، ارتفاعًا من 24 مليون في العام السابق له (2022)، حسب بيانات منظمة "الفاو" التابعة للأمم المتحدة وبرنامج الأغذية العالمي.
وتعكس هذه الطفرة تراجعًا كبيرًا في قدرة الحكومات على تأمين الغذاء، ويعدّ تغير المناخ متهمًا رئيسًا في هذا الشأن طبقًا لتقديرات الجهات الدولية المعنية.
ويرجع ذلك إلى نمو ظاهرة "الاحترار العالمي" وارتفاع درجات الحرارة، ما أدى إلى تزايد رقع الجفاف في الأراضي الزراعية وتراجع المحاصيل.

وكشفت الدراسة أن درجات الحرارة المرتفعة قد تؤدي إلى تراجع محصول "الذرة" بنسبة 35%، في أميركا الجنوبية وآسيا وأفريقيا.
ولا يقف الأمر عند تراجع المحاصيل المنتجة، بل قد تؤثّر التغيرات المناخية في سلاسل الإمداد بالكامل.
وحتى وقت قريب، كانت الدراسات المعنية بالأمن الغذائي العالمي تستهدف بحث التأثيرات السلبية للمناخ في محصول واحد، دون التطرق إلى عوامل رئيسة ذات صلة، مثل: طبيعة الأراضي، وطرق الري.
المناخ والغذاء في أفريقيا
يرتبط المناخ والغذاء في أفريقيا بصلة وثيقة، إذ تتسبب الظواهر الجوية في تزايد مشكلات القطاع الزراعي والمحاصيل.
وخلصت نتائج الدراسة إلى تراجع متوقع في حصاد محصول الذرة، خاصة في: (شرق جنوب أفريقيا، وزامبيا)، في حين يزداد محصول الأرز غرب القارة السمراء.
ويرتفع محصول القمح في جنوب أفريقيا ونيجيريا، ويحافظ فول الصويا على معدل إنتاج ثابت، عدا جنوب أفريقيا حيث يتجه للزيادة، وفق الدراسة المنشورة في مجلة نيتشر.
وفي أفريقيا جنوب الصحراء يكتسب المناخ تنوعًا ينعكس على التغيرات البيئة، وتظهر هذه التقلبات بصورة مباشرة في خريطة توزيع المحاصيل الزراعية.
وتضمنت بيانات الدراسة عينات من إنتاج (الذرة، والأرز، والقمح، وفول الصويا) منذ عام 1981 حتى 2015، واعتمد الرصد في القارة السمراء على: بيانات المناخ (تشمل: هطول المطر، ومتوسط درجات الحرارة)، ونوعية التربة الزراعية، ومعدلات الري، وطبيعة المحاصيل.
واستعمل الباحثون نماذج محاكاة الاحترار العالمي وأنماطًا مختلفة لهطول المطر، لقياس واقع الأمن الغذائي في أفريقيا جنوب الصحراء، في ظل التغيرات المناخية.
وكشفت البيانات إنتاج الدول محل الرصد:
- 28 مليون طن قمح.
- 24 مليون طن صويا.
- 7 ملايين طن ذرة.
- 8 ملايين طن أرز.
توقعات الإنتاج الغذائي
تُشير التوقعات المستقبلية للباحثين إلى تباين واضح في الإنتاج الغذائي بدول أفريقيا جنوب الصحراء، بحلول ثمانينيات القرن الجاري (2080)، حسب أحد النماذج المعتمدة في الرصد.
ويشمل ذلك:
1) انخفاض إنتاج الذرة بنسبة 5.2%.
2) زيادة إنتاج الأرز بنسبة 44.12%.
وفيما يلي، نذكر توقعات المحاصيل الـ4:
- الذرة
خلال المدة من 2030 حتى 2080، يزداد محصول الذرة بمعدل متوقع يبلغ مليون طن.
ويتراجع إنتاج الذرة في: (إثيوبيا، وأوغندا، وتنزانيا، وزامبيا وجنوب أفريقيا)، مقابل زيادة في: (نيجيريا، وأنغولا، وبنين، وتوغو، وغانا).

- الأرز
يتركز إنتاج الأرز في غرب أفريقيا (نيجيريا، وبنين، وبوركينا فاسو، وغرب جمهورية الكونغو الديمقراطية، وغينيا).
وتتوقع الدراسة زيادة محصول الأرز في هذه الدول بنسبة 150%، بحلول ثمانينيات القرن الجاري، مقابل تراجع في (مالي، وأنغولا، وزامبيا، وتنزانيا).
ويظهر دور جليّ لتغير المناخ في هذه التوقعات، إذ يتسبب تراجع معدل هطول المطر ونقص المياه بتراجع الإنتاج في مالي، في حين يعزز ارتفاع درجات الحرارة من تسريع وتيرة نضج المحصول وتقصير المدة المخصصة للنمو.
- القمح
تُظهر التوقعات الغذائية تضاؤلًا في الرقعة المخصصة لزراعة القمح في أفريقيا جنوب الصحراء، وتتركز مناطق الزراعة في جنوب أفريقيا وشمال نيجيريا، مقابل تراجع في إثيوبيا وزيمبابوي.
- الصويا
يختلف إنتاج الصويا في أفريقيا، وتكتسب مناطق "شرق جنوب أفريقيا، وشمال نيجيريا، وأوغندا، وجمهورية الكونغو" فرصًا أقوى بوصفها مناطق إنتاج رئيسة.
وينخفض الإنتاج في: زامبيا، وأنغولا، ووسط نيجيريا، وشرق جنوب أفريقيا.
تداعيات تغير المناخ
تؤثّر تداعيات تغير المناخ بتغيير خريطة الزراعة في القارة السمراء، خاصة دول أفريقيا جنوب الصحراء.
وبين توقعات زيادة إنتاج المحاصيل وتراجعها، أوصت الدراسة بـ:
- ضرورة تبنّي اتجاه لزراعة "محاصيل مقاومة للمناخ"، خاصة في المناطق ذات الحرارة المرتفعة.
- ضح الاستثمارات في البنية التحتية للري والمياه، بما يلائم مواسم الجفاف.
وستواجه المناطق منخفضة موارد المياه تحديات في نمو محصول الذرة، نظرًا للحرارة المرتفعة والجفاف، وافترضت الدراسة أن تطبيق تقنيات التسميد الزراعي بثاني أكسيد الكربون قد يزيد الإنتاج.
وحدَّد الباحثون بعض الظواهر المناخية غير المسبوقة المؤثّرة سلبًا في إنتاج الذرة بجنوب أفريقيا، متضمنة: الحرارة والجفاف والهطول الكثيف للمطر، وهي العوامل ذاتها التي تُلحق أضرارًا بمحاصيل الأرز والقمح.
ويُظهر إنتاج الأرز ارتفاعًا تدريجيًا في المنطقة، غير أن الجفاف والفيضانات والحرارة الشديدة قد تهدد الإنتاج السنوي.
ويرتبط إنتاج الأرز بإستراتيجيات وسياسات محلية، مثل المبادرة المعلَنة عام 2015 بهدف تحقيق الاكتفاء الذاتي، وخفض الواردات.
موضوعات متعلقة..
اقرأ أيضًا..
المصادر: