إنّ الدعوات التي يثيرها بعض الشباب المندفعون إلى غلق السفارات المصرية أو التحريض عليها في الدول الأوروبية ليست من حرية التعبير في شيء، بل هي صورة من صور الاعتداء والإفساد في الأرض. فالشرع الشريف نهى عن الفساد، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: 205]، وقال سبحانه: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف: 56]. وجاء في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: «من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة» (رواه البخاري). والسفير في القانون الدولي يُعد بمنزلة رسول الدولة وممثلها، والرسل لا يُعتدى عليهم، فقد قال ابن حجر: “في الحديث دليل على حرمة دم الذمي والمعاهد والعهد يشمل الأمان الخاص والعام”.
وقد بيّن العلماء المعاصرون أن الاعتداء على البعثات الدبلوماسية لا يمت إلى الدين بصلة. قال الشيخ عبد الله بن بيّه: “السفارات هي بمثابة الرسل الذين نهى الشرع عن قتلهم أو الاعتداء عليهم، لأنها تمثل صلة السلام والاتصال بين الدول”، وكذلك قرر علماء الأزهر أن حماية السفارات من مقاصد حفظ الأمن وصون العهود. بل إن تعطيلها يفضي إلى ضرر عظيم بمصالح المسلمين وغير المسلمين؛ لأن فيها قضاء حوائج العباد من معاملات، وتأشيرات، وخدمات قنصلية.
ومن جهة القوانين الوضعية، فالدساتير العربية والدولية تؤكد على حماية المنشآت العامة والدبلوماسية:
• الدستور المصري (2014، المادة 86): “الحفاظ على الأمن القومي واجب، والدولة تلتزم بحماية مرافقها العامة، والاعتداء عليها جريمة يعاقب عليها القانون”.
• الدستور الفرنسي (1958، المادة 1 و5) نصّ على التزام الدولة بحماية النظام العام.
• القانون الأمريكي (18 U.S. Code § 970) يجرّم الاعتداء على المباني الدبلوماسية ويعاقب عليه بالسجن سنوات طويلة. ولو أن شخصًا تظاهر أمام البيت الأبيض وتعدى على أسواره أو منشآته لعوقب فورًا بالسجن والمحاكمة. فأين هي الحرية المطلقة التي يزعمونها؟ إن الحرية عندهم مقيدة بالنظام العام.
والمواثيق الدولية واضحة في ذلك، حيث نصّت اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية (1961، المادة 22) على: “حرمة مباني البعثة الدبلوماسية، وعلى الدولة المضيفة واجب حمايتها من أي اقتحام أو ضرر”، وهو التزام دولي يقع على جميع الدول. فكيف نرضى لأنفسنا ما نرفضه من الآخرين؟
بل إن الاعتداء على السفارات قد يفتح أبواب الفتنة بين طوائف متعارضة: فريق محب لوطنه يحمي، وفريق آخر مندفع يحرض ويعتدي، فيحدث الاشتباك والاقتتال. وهو عين ما حرمه الإسلام: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: 46].
إنّ الدعوات إلى غلق السفارات لا تجلب إلا الضرر البالغ: تعطيل مصالح الناس، تشويه صورة الدولة أمام العالم، فتح المجال للخصوم والمتربصين لتوظيف تلك الأفعال في الحملات الإعلامية ضد مصر والمسلمين، فضلًا عن أنها تمثل خيانة للوطن وإفسادًا لعهود موثقة. قال الإمام القرطبي: “العهد يجب الوفاء به مع الصغير والكبير، المسلم والكافر، ولا يحل نقضه بحال”.
وأما من يحتج بحرية التعبير، فليعلم أن الحرية مسؤولية، وهي مقيدة بعدم الإضرار بالغير. الحرية ليست فوضى ولا عدوانًا؛ فهي – كما قال الفيلسوف “جون ستيوارت مل” – “تتوقف عند النقطة التي تبدأ فيها حرية الآخرين”. بل حتى الغرب الذي يرفع شعار الحرية لا يسمح لأحد أن يقترب من مؤسساته العامة أو يهدد أمنها، ويضع القوانين الرادعة لذلك. فكيف يتصور عاقل أن الاعتداء على منشأة عامة أو دبلوماسية حق مشروع؟!
ثم إذا نظرنا إلى ازدواجية الغرب نفسه في التعامل مع قضية فلسطين رأينا أن الحرية المزعومة التي يتحدثون عنها تُمارس بانتقائية: فمجلس الأمن بأيديهم، والمواثيق الدولية تحت وصايتهم، ومع ذلك غضوا الطرف عن حقوق الفلسطينيين عقودًا طويلة، وسكتوا عن العدوان المتكرر وازدراء المسلمين والعرب في ديارهم. فهل يُعقل أن نتلقى منهم دروسًا في الحرية، ونحن نرى ممارساتهم تناقض ما يرفعونه من شعارات؟
الخلاصة:
إنّ التحريض على غلق السفارات أو الاعتداء عليها ليس من حرية التعبير، بل هو جريمة دينية، وقانونية، ودستورية، وأخلاقية. الإسلام نهى عنه نصًا، والقوانين تجرّمه صراحة، والمواثيق الدولية تحرّمه قطعًا. والسفير بمثابة رسول الدولة، والرسل لا يُعتدى عليهم شرعًا ولا عرفًا. وإن السكوت عن هذه الدعوات خطر على الأمن والمجتمع، وإهدار لحقوق العباد، وإفساد في الأرض.